من كواليس اكتوبر73 - ايجى ويب

من كواليس اكتوبر73





عند بداية المعارك في حرب أكتوبر، صام الجنود والأطباء، المصابون والمعالجون.. بغية ملاقاة ربهم تأبين، حتى بعد ﺇفتاء شيخ الأزهر باباحة اﻹفطار مع واجب الجهاد.. بقى الجنود على حال صيامهم حتى فترة تالية.. حتى بعد ثغرة "الدفرسوار"..
بعدها عشنا مرحلة جديدة، فالمستشفى أو الوحدة مهددة باقتحام قواتهم، بعد أن أبلغنا رجال الحراسة بما تلاحظ من بدء عمليات ﺇستطلاع مكثفة من بعض أفرادهم على حدود وحدتنا، تمهيدا ﻹقتحامها..
نحن مجموعة من الجنود والأطباء داخل مبنى من الدشم الخراسانية فى حضن التبتين المتواجهتين، وسط رمال الجانب الأيمن من طريق القاهرة – السويس، كل مهمتنا هو ﺇستقبال المصابين وﺇجراء العمليات الجراحية السريعة، وعمليات الكسور، واﻹسعافات الأولية للجروح.
ﺇنقضت خمسة أيام بلياليها.. لا سيارات الوحدة وعربات اﻹسعاف يمكنها الخروج من الوحدة، ولا سيارات الوحدات المختلفة التى تحمل بعض المصابين، يمكنها الدخول أو حتى اﻹقتراب من مدخل المستشفى المحاصر..
ولما كان عدد المصابين يتجاوز الخمسين, والعزلة مره, فلا المصابون يتناولون العلاج الواجب بعد نقص الأدوية، حتى ماكينة التوليد الكهربائى كفت العمل بعد أن ﺇنتهى الوقود اللازم لتشغيلها، وبالتالى توقف عنبر العمليات الجراحية.. الخطر المحدق غلب على نشاط وعمل المستشفى.
كان قرار القائد.. نقل المصابين ﺇلى مكان آمن، عن طريق جبل عتاقة، الذى يبعد كثيرا عن تناول فوهات مدافعهم وبنادقهم، وبما يشبه المعجزة تمكن أحد الجنود من ﺇصلاح ﺇحدى السيارات "الزل" وهى التى تكفلت بالمهمة حتى السويس..
مع غياب قرص الشمس ﺇنتهت المهمة، ولم يبق ﺇلا المهمة الأخرى التى لم تخطر على بال أحدنا، ﺇلا من القائد؛ أن يتم دفن الشهداء الثمانية حالا والآن ومع الظلمة والعتمة.. بينما راودتنى رغبة أن أعيش لذة الألم العقلي.. الشرود يعفينى ولو قليلا من حرمانى من الطعام والشراب.. مع ممارسة "اﻹسترخاء" و"التخيل" كما يفعل أهل "اليوجا"، وذهبت وحدى، أرتكن بظهرى على صخرة كبيرة..
ما كانت ﺇلا دقيقة أو ساعة لعلها أكثر أو أقل، ﺇنتبهت بعدها على صوت القائد نفسه، يصرخ باسمى كى أساعده فى مهمة الدفن.. دفن الشهداء قبل أن ننسحب من الموقع؟!
ظننت أن الظلمة تخفى تجاهلى لطلبه، ﺇكتفيت بالصمت؟!
يبدو أن بعضهم فهم معنى صمتى.. هل من العيب أن أعترف بخوفى من دفن الموتى فى الظلمة.. أو حتى فى عز وضح النهار وفى الظهيرة؟!
صاح بالموافقة على ﺇتمام مهمة الدفن فى الظلمة طبيب الأسنان "بطرس" والجندى "أحمد"..
بدت المهمة مع الظلمة أشبه بمن يسبح فى بحر بلا قرار، يسترشدون بأصواتهم، ولم يكف أحدهم الكلام طوال تنفيذ المهمة حتى يمكن متابعة زميله والمهمة، على الرغم من الدمعات المصلوبه فى الخفاء تصنع غلالة فوق عيون الجميع ولا يراها أحد، وهو ما جعلها تتسربل وتخطو فوق الخدود سياله عند البعض.
كانت آخر المهام تلاوة مناسبة للدفن، فكان السؤال: لكننا لا نعرف ﺇن كان هذا الشهيد أو ذاك مسلما أم قبطيا؟
فكان ما همس به ونفذه أحمد وبطرس وكل السامعين أن قرأ المسلمين مع أحمد فاتحة الكتاب: الحمدلله رب العالمين، الرخمن الرحيم.. وشارك أحمد العديد من الجالسين فى الظلمة على الأرض.
ثم قرأ بطرس والقبط من جنود الوحدة "أبانا الذى فى السموات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك.."
وبان لى أن بعض المسلمين يرددونها مع بطرس، كما ردد بعض القبط الفاتحة مع أحمد؟!
وهو ما دفع قائد المستشفى يقول:
"كده ﺇرتاح الشهيد.. مسلم كان أو مسيحى".


اترك تعليقا :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق